ابن عربي
220
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 149 ] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 ) أي من كل جهة خرجت مصليا فاستقبل المسجد الحرام ، ويجوز صلاة الفرض داخل الكعبة ، إذ لم يرد نهي في ذلك ولا منع ، وقد ورد وثبت حيثما أدركتك الصلاة فصل ،
--> ذكر وقرآن مبين ) أي ظاهر ما فيه لغز ولا رمز كما يكون في الشعر ، فقال : ( وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ ) لأنه بعث بالبيان الشافي ، ووضع الشعر ليس على هذا البناء وإن كان يقع فيه البيان ، ثم قال : ( 149 ) « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها » يقول : ولكل أمة من الناس وجهة هو موليها أي جهة وقبلة يولي وجهه إليها ويستقبلها ، فمن جعل ضمير « هو » عائدا على اللّه يقول : أنا جعلته يولي نحوها ، وهنا وجهان الواحد : أن ذلك بقضائنا وإلهامنا إياه وإرادتنا ، والوجه الآخر قوله : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) فأصل نصبها قبلة كان منها على لسان الرسول الذي بعثناه لتلك الأمة ، أو يعود الضمير على الذي يولي وجهه نحو تلك الجهة ، ثم قال : « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » أي اجروا مع الخيرات في الحلبة إلينا ، فإن الخيرات إلينا تقصد ، فإذا سابقتموها كنتم معها على طريق واحد فتوصلكم إلينا ، قال النبي عليه السلام : [ والخير كله بيديك والشر ليس إليك ] والخيرات كل عمل مشروع ، ووجه آخر فاستبقوا بالخيرات إلينا أي سابقوا بما شرعنا لكم ، اركبوها مستبقين إليّ ، ووجه آخر « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » فاستبقوا إلى الخيرات إذا رأيتموها ، فبادروا مستبقين إلى الأخذ بها ، وقوله : « أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً » موضع مخصوص للجمع فيه وزمان مخصوص ، فإنه تعالى مع عباده أينما كانوا ، قال تعالى : ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ) وهذا يؤيد أن الضمير في « هُوَ مُوَلِّيها » يعود على اللّه ، وإنما وقع التعريف بالإتيان لأنه من الممكنات ، فأخبر تعالى أنه واقع ، ووجه آخر تعريف للمنكرين ذلك المحيلين له بحكم جهلهم فيما غاب عنهم « إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ » منه إتيانهم « قَدِيرٌ » ثم عاد وقال : ( 150 ) « وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » فليس هذا بمعنى الأول من كل وجه ، فإن هناك الأمر بالتولية إلى شطر المسجد الحرام من موضعه ذلك وما فيه ذلك البيان ، لأنه قد يحتمل أن يقصد من ذلك الموضع لكونه شرقا أو جنوبا ، فقال له هنا : إنما يقصد لعينه من حيث خرجت ، لا تراعي شرقا ولا غربا ولا جنوبا ولا شمالا ، وإن كان في الأول ما يدل عليه في قوله : ( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) فإن ذكره على التعيين ، وتخصيصه يعطي من البيان أكثر من